الصالحي الشامي

474

سبل الهدى والرشاد

إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الاثخان ، والقتل ، فعوتبوا على ذلك ، وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم ، وكلهم غير عصاة ولا منذنبين ، وإلى نحو هذا أشار الطبري . وقوله - صلى الله عليه وسلم في هذه القضية : لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر - إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ورأي من أخذ بمأخذه ، في إعزاز الدين ، وإظهار كلمته ، وإبادة عدوه ، وأن هذه القضية لو استوجبت عذابا نجا منه عمر ومثله : وعين عمر لأنه أول من أشار بقتلهم ، ولكن الله لم يقدر عليهم في ذلك عذابا لحله لهم فيما سبق . وقال الداودي : والخبر بهذا لا يثبت ، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بما لا نص فيه ولا دليل من نص ، ولا جعل الامر فيه إليه ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك . وقال القاضي بكر بن العلاء : أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء ، وقد كانوا قبل هذا فادوا في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه ، فما عتب الله ذلك عليهم ، وذلك قبل بدر بأزيد من عام . فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الاسرى كان على تأويل وبصيرة ، وعلى ما تقدم قبل مثله ، فلم ينكره الله تعالى عليهم ، لكن الله تعالى أراد - لعظم أمر بدر وكثرة أسراها ، والله أعلم - إظهار نعمته ، وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم ، لا على وجه عتاب وإنكار وتذبيب . هذا معنى كلامه . وأما قوله : ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى . . ) [ عبس 1 ] . فليس فيه إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم ، بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكي ، وأن الصواب والأولى - لو كشف لك حال الرجلين - الاقبال على الأعمى . وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل ، وتصديه لذاك الكافر ، كان طاعة لله وتبليغا عنه ، واستئلافا له ، كما شرعه الله له ، لا معصية ، ولا مخالفة له . وما قصه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين وتوهين أمر الكافر عنده ، والإشارة إلى الاعراض عنه ، بقوله : ( وما عليك ألا يزكي ) [ عبس : 7 ] . وقيل : أراد ب‍ " عبس " ، و " تولى " - الكافر الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو تمام . وأما قصة آدم عليه السلام ، وقوله تعالى : ( فأكلا منها ) - بعد قوله : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) [ البقرة 35 ] . وقوله ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة )